أحمد بن محمود السيواسي
265
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 22 ] وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ( 22 ) ( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ) على طاعة اللّه وعلى المصائب وعلى أذى الكفار والمنافقين وعن المعاصي ( ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ) أي لطلب مرضات اللّه ( وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) أي أتموها في مواقيتها ( وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) من الأموال ( سِرًّا ) في النوافل دفعا للرياء ( وَعَلانِيَةً ) في الفرائض نفيا للتهمة وطلبا لاقتداء الغير بهم ( وَيَدْرَؤُنَ ) أي يدفعون ( بِالْحَسَنَةِ ) أي بصالح العمل ( السَّيِّئَةَ ) أي السي من العمل كقوله إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ « 1 » ، قال عليه السّلام : « إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية » « 2 » ، وقيل : « معناه يدفعون الذنب بالتوبة ويدفعون الشر بالخير ولا يكافئون الشر بالشر » « 3 » ، قيل : « هذه ثمان خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة » « 4 » ( أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ) [ 22 ] أي أهل هذه الخلال عاقبتهم دار الثواب . [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 23 إلى 24 ] جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ( 24 ) ثم بين تلك الدار بقوله ( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) أي بساتين إقامة ( يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ ) أي من أطاع اللّه ورسوله بالإيمان وعمل الخير ( مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) أي يدخلون الجنة بجميع أهليهم تكميلا لفرحهم ، وفيه إعلام بأن الأنساب لا تنفع إذا تجردت من الأعمال الصالحة ( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ) [ 23 ] من أبواب الجنة أو من أبواب القصور يقولون ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) منا أي سلمكم اللّه من الآفات التي كنتم تخافون منها ، قيل : « يدخلون عليهم في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرات معهم الهدايا والتحف من اللّه ، يقولون سلام عليكم » « 5 » ( بِما صَبَرْتُمْ ) على أمر اللّه وطاعته ، يعني هذا الثواب والاستراحة والتنعم الأبدي لكم في هذه الدار بسبب صبركم على المشاق والمتاعب في الدنيا ( فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) [ 24 ] أي نعم العاقبة الجنة التي تدورون فيها أبدا . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 25 ] وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 25 ) ثم بين حال الكفار وما أعد لهم من العقاب فقال ( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ) أي بعد تأكيده وتغليظه بالإقرار والإشهاد على التوحيد يوم الميثاق ( وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) وهو صلة الأرحام ، وقيل : الإيمان بالأنبياء وكتبهم وهم يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض « 6 » ( وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) أي يعملون بالمعاصي من الكبائر أو يدعون إلى عبادة غير اللّه تعالى ( أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ) أي الطرد من رحمة اللّه في الدنيا والآخرة ( وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) [ 25 ] أي سوء المنقلب وهو النار ، لأن منقلب الناس دورهم . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 26 ] اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ ( 26 ) ثم نزل فيمن يفرح بالدنيا ويفتخر ويغتر بها « 7 » ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ) أي يوسعه ( لِمَنْ يَشاءُ ) من عباده لحكمة يعلمها ( وَيَقْدِرُ ) أي ويضيق على من يشاء ، لأنه يعلم أن صالحه فيه ( وَ ) هم قد ( فَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا ) أي بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر لا فرح شكر وسرور بفضل اللّه تعالى ، والفرح لذة في القلب بنيل المشتهى ، وهو تعريض
--> ( 1 ) هود ( 11 ) ، 114 . ( 2 ) أخرج أحمد بن حنبل نحوه ، 5 / 169 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 351 . ( 3 ) عن كيسان ، انظر البغوي ، 3 / 351 . ( 4 ) عن محمد بن المبارك ، انظر البغوي ، 3 / 352 . ( 5 ) عن مقاتل ، انظر البغوي ، 3 / 352 . ( 6 ) أخذه المفسر عن البغوي ، 3 / 353 . ( 7 ) لعله اختصره من الكشاف ، 3 / 106 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 353 .